الشيخ عبد الله الحسن
66
المناظرات في الإمامة
عليه ، ثم شرب من جر ( 1 ) كان عنده ، واستلقى على مرفقة له ، وطفق يحمد الله ، يكرر ذلك ، ثم قال : من أين جئت يا عبد الله ؟ قلت : من المسجد . قال : كيف خلفت ابن عمك ؟ فظننته يعني عبد الله بن جعفر . قلت : خلفته يلعب مع أترابه . قال : لم أعن ذلك ، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت . قلت : خلفته يمتح بالغرب ( 2 ) على نخيلات من فلان ، وهو يقرأ القرآن . قال : عبد الله ، عليك دماء البدن إن كتمتنيها ؟ هل بقي في نفسه شئ من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم . قال : أيزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - نص عليه ؟ قلت : نعم وأزيدك ، سألت أبي عما يدعيه ، فقال : صدق . فقال عمر : لقد كان من رسول الله - صلى الله عليه وآله - في أمره ذرو ( 3 ) من قول لا يثبت حجة ، ولا يقطع عذرا ، ولقد كان يربع في أمره وقتا ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه ( 4 ) فمنعت من ذلك ( 5 ) إشفاقا
--> ( 1 ) الجر : آنية من خزف ، الواحدة جرة . ( 2 ) الغرب : الدلو . ( 3 ) ذرو : طرف ( 4 ) إشارة إلى قول النبي - صلى الله عليه وآله - : آتوني بدواة وكتف لا كتب لكم كتابا لن تضلوا بعده . ( 5 ) اعتراف الخليفة عمر إنما صد عن كتابة الكتاب حتى لا يجعل الأمر لعلي - عليه السلام - . راجع : شرح نهج البلاغة ج 12 ص 78 - 79 . ومما يفيد ذكره هنا بمناسبة منع عمر لكتابة الكتاب ما ذكره المرحوم الشهيد الصدر ( قدس سره ) يقول الدكتور التيجاني في كتابه ثم اهتديت ص 98 - 99 : وإني لا زلت أذكر إجابة السيد محمد باقر الصدر ، عندما سألته : كيف فهم سيدنا عمر من بين الصحابة ما يريد الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - كتابته وهو استخلاف علي - عليه السلام - على حد زعمكم ، فهذا ذكاء منه ؟ ! قال السيد الصدر : لم يكن عمر وحده فهم مقصد الرسول ، ولكن أكثر الحاضرين فهموا ما فهمه عمر ، لأنه سبق لرسول الله - صلى الله عليه وآله - أن قال مثل هذا إذ قال لهم : إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، وفي مرضه قال لهم : هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا ، ففهم الحاضرون ومن بينهم عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - يريد أن يؤكد ما ذكره في غدير خم كتابيا ، وهو التمسك بكتاب الله وعترته ، وسيد العترة هو علي - عليه السلام - ، فكأنه - صلى الله عليه وآله - أراد أن يقول : عليكم بالقرآن وعلي ، وقد قال مثل ذلك في مناسبات أخرى كما ذكر المحدثون .